نهجنا الجديد
الوعي والإدراك الذاتي في الثقافات العربية والجماعية
يختلف العلاج النفسي الديناميكي في الثقافات العربية والجماعية عن العلاج في الثقافات الفردية للأسباب التالية
تأثير المجتمع والثقافة على الأبوين وتربية الأطفال
يقوم الآباء في الثقافات العربية والجماعية بتربية أطفالهم ضمن الإطار الذي قمنا بشرحه. فإذا تصرف الطفل أو أظهر قدرات (خاصةً الأداء الدراسي) تجلب لوالديه الثناء والتقدير والتأكيد والتقييم الإيجابي والفخر وما شابه ذلك، فإنه يحظى بوضوح بموافقة والديه ويحصل على العديد من المزايا والمكافآت التي تعزز ثقته بنفسه.
أما إذا تصرف الطفل بهذه الطريقة أو أظهر مهارات قد تجلب لوالديه الخجل أو الحرج أو الإذلال أو الإهانات أو أي أحكام سلبية أخرى، فعلى الطفل أن يتوقع ردود فعل قاسية من والديه، مثل العقاب البدني، والتوبيخ، والصراخ، وبشكل خاص حرمانه من الحب والاهتمام والدعم الإيجابي، وهو ما قد يستمر أحيانًا لأيام أو حتى لفترة أطول، ويُعتبر أحد أهم العوامل المسببة للاكتئاب وحالات القلق الشديدة.
يعيش الناس في خوف يصفه بعض الباحثين بـ«الموت الاجتماعي».
ولهذا السبب، يبذل الناس في المجتمعات العربية والمجتمعات الجماعية جهودًا كبيرة للحصول على التأييد والتقييم الإيجابي من أفراد مجتمعهم، ولا سيما من عائلاتهم، مما يعزز تقديرهم لذاتهم أو نظامهم النفسي. في المقابل، يبذل «الذات» العديد من الجهود اللاواعية لحماية نفسه من الهجمات والعدوان المفترضين والمنشطين لا شعوريًّا من قبل الآخرين، ولتجنب الأحكام السلبية التي تجلب معها الشعور بالخجل والحرج وفقدان الكرامة أمام الآخرين.
التحدي الأصعب: في الثقافات والمجتمعات الجماعية، لا يُقيّم المجتمع الفرد بناءً على سلوكه أو إنجازاته الشخصية والفردية فحسب، بل أيضًا بناءً على سلوك أو إنجازات المقربين منه.
هذا هو جوهر الثقافات والمجتمعات الجماعية، بما في ذلك المجتمعات العربية، وهنا يكمن التحدي الأصعب الذي يحاول الآباء والأبناء التغلب عليه خلال مرحلة الطفولة وعملية التربية.
فحكم المجتمع على الفرد ليس مجرد رد فعل على سلوكه الفردي أو الشخصي فحسب، بل هو أيضًا رد فعل على سلوك كل فرد من أفراد أسرته: أولاً الأسرة المباشرة، ثم الأسرة الممتدة، ثم المعارف والأصدقاء والأقارب وهكذا دواليك. ولهذا تُسمى هذه المجتمعات «جماعية» – ليس بسبب الارتباط القوي للفرد بأسرته، بل لأن المجتمع يعامل الفرد كـ«مجموعة».
ولهذا السبب، يعيش الناس في المجتمعات والثقافات العربية والجماعية في خوف دائم من فقدان قيمتهم الاجتماعية والشخصية، إذا تصرفوا هم أو أحد أفراد أسرتهم بطريقة قد تجلب لهم العار أو الإحراج أو فقدان المكانة أمام الآخرين. وكما يقول المثل: «لا تغسل قذارتك أمام الآخرين»، وهو ما يعني أنه يجب إخفاء المشاكل الشخصية ومشاكل الأسرة عن الآخرين لتجنب أحكامهم.
– هل يرتبط هذا بأسلوب تربية يتميز بالسيطرة على سلوك أفراد الأسرة ومراقبته، وخاصة سلوك النساء؟
تأثير المجتمع والثقافة على الأبوة والأمومة وتربية الأطفال
يقوم الآباء في الثقافات العربية والجماعية بتربية أطفالهم ضمن هذا الإطار. فإذا تصرف الطفل أو أظهر قدرات (خاصةً الأداء الدراسي) تجلب لوالديه الثناء والتقدير والتأكيد والتقييم الإيجابي والفخر وما شابه ذلك، فإنه يحظى بوضوح بموافقة والديه ويحصل على العديد من المزايا والمكافآت التي تعزز ثقته بنفسه. أما إذا تصرف الطفل بهذه الطريقة أو أظهر مهارات قد تجلب لوالديه الخجل أو الحرج أو الإذلال أو الإهانات أو أي أحكام سلبية أخرى، فعلى الطفل أن يتوقع ردود فعل قاسية من والديه، مثل العقاب البدني، والتوبيخ، والصراخ، وبشكل خاص حرمانه من الحب والاهتمام والدعم الإيجابي، وهو ما قد يستمر أحيانًا لأيام أو حتى لفترة أطول، ويُعتبر أحد أهم العوامل المسببة للاكتئاب وحالات القلق الشديدة.
إن هذا السلوك المتناقض للوالدين له آثار كبيرة على نمو الذات والبنية النفسية للطفل.
لذلك، لا تهدف صفحاتنا ونظريتنا الجديدة إلى إلقاء اللوم على الوالدين. في العلاج النفسي التحليلي والنفسي الديناميكي، نشير إلى أن جميع البشر لديهم نقاط قوة ونقاط ضعف. وينطبق هذا أيضًا على الوالدين.
من ناحية أخرى، يلعب الوالدان دورًا رئيسيًّا في تشكيل وصقل شخصية الإنسان خلال السنوات الأولى من حياته، عندما لا تكون علاقته بالمجتمع قد استقرت بعد. ولذلك، فإننا ننظر إلى التطور الذاتي على أنه علاقة ديناميكية بين الطفل ووالديه، وكذلك بين الوالدين والمجتمع، يتعين خلالها التغلب على العديد من التحديات والصراعات.
أهمية ودور العلاج النفسي الديناميكي والتحليلي
يفهم المعالج النفسي التحليلي سلوك الفد وكيفية نشأته, ما ينطبق أيضا على تعامله مع ألإضطرابات النفسية. نحن لا نلقي باللوم على الوالدين.
يمكن لعلم النفس التحليلي أن يقدم لنا تفسيرات عديدة لظواهر منتشرة على نطاق واسع في الثقافات العربية والجماعية، والتي تمت الإشارة إليها في العديد من الدراسات النفسية بين الثقافات وغيرها، مثل:
- لماذا يشعر الناس في المجتمعات الجماعية بالحاجة النفسية إلى البقاء على صلة بأسرهم طوال حياتهم؟
- ما الدور الذي يلعبه الوالدان والروابط الأسرية في التوازن النفسي واحترام الذات؟ هل هذا الارتباط أو هذه الصلة مجرد «واجب»، أي دين يجب سداده لأنهم يضعفون في الشيخوخة ويحتاجون إلى المساعدة، أم أن هناك أسبابًا أخرى تجعل «تقدير الوالدين» أحد أهم العوامل أو العناصر التي تساهم في الحفاظ على توازن الشعور بالقيمة الذاتية بشكل عام؟
- ما هي التجارب التي نمر بها في طفولتنا في المجتمعات العربية والجماعية، وكيف ينقل الآباء إلى أطفالهم ارتباطًا نفسيًّا بهم والرغبة في إرضائهم، مما يجعل هذا الأمر أحد أهم العناصر التي تمنح الإنسان السعادة والشعور بالأمان؟
- يميل الناس في المجتمعات الجماعية والعربية إلى التباهي بإنجازاتهم، أو بنجاحات أطفالهم أو أقاربهم أو المقربين منهم، أو يميلون ألى إستعراض ممتلكاتهم (مثل منزل كبير أو سيارة باهظة الثمن) أمام الآخرين، من أجل نيل تقديرهم واحترامهم واعترافهم بقيمتهم الذاتية العالية.
- لماذا يولي الناس في المجتمعات العربية والجماعية أهمية كبيرة للمظهر الخارجي والكرامة وتقدير الذات والشرف, من ناحية أخرى، نشعر بالنقص، ونشعر بأننا متخلفون عن ركب العالم والتطور، ونعتبر أنفسنا عديمي القيمة؟
- عندما يلتقي الناس في المجتمعات العربية والجماعية ويتفاعلون مع بعضهم البعض، فإنهم يبدون أنماطًا سلوكية معينة تتميز بالتعبير عن الثناء والتقدير وأهمية الآخرين بالنسبة للفرد. وهناك ميل إلى المبالغة في تقدير الآخرين وقيمتهم أو تأثيرهم، مما يولد شعورًا بالعظمة والأهمية. ومن المهم أيضًا التساؤل عن سبب انتشار هذه العادة على نطاق واسع في مجتمعاتنا، وعن المحفزات النفسية اللاواعية التي تثير هذا السلوك.
ومن المهم أيضًا التساؤل عن سبب انتشار هذه العادة على نطاق واسع في مجتمعاتنا، وعن المحفزات النفسية اللاواعية التي تثير هذا السلوك.
- لماذا يميل الناس في المجتمعات العربية والمجتمعات الجماعية عمومًا إلى عدم الثقة بالآخرين والتشكيك في نواياهم وأهدافهم؟
تشير بعض الدراسات عبر الثقافات إلى أن الناس في الثقافات الجماعية يفتقرون إلى قيم اجتماعية راسخة (الأنا العليا). فإن سلوك الفرد تجاه أسرته وكبار السن والأشخاص «المحترمين» يختلف عن سلوكه عندما يكون هؤلاء غائبين ولا أحد يراقبه. وهذا يفسر، على سبيل المثال، إلقاء القمامة في الأماكن العامة، وإتلاف الممتلكات العامة، والتحرش الجنسي، وما إلى ذلك. - ما الذي يحدث، وما هي التجارب التي يمر بها الفرد في مرحلة الطفولة، والتي تدفعه إلى التصرف بهذه الطريقة المزدوجة دون أن يشعر بالندم – وهو الشعور الذي يساعد في ضبط السلوك الفردي ومواءمته مع قيم المجتمع، مما يؤثر إيجابياً على النظام الاجتماعي بشكل عام؟
في المجتمعات والثقافات الجماعية، يميل الناس إلى رفض تحمل المسؤولية عن عواقب سلوكهم أو أخطائهم. والأغرب من ذلك أن الشخص الذي يلفت الانتباه إلى خطأ أو إهمال شخص آخر يُنظر إليه على أنه يتصرف بشكل غير لائق. فنقول على سبيل المثال: «الحافلة أو القطار قطع عليّ الطريق» (بينما في ألمانيا، على سبيل المثال، سيقال: «لقد فاتتني الحافلة أو القطار»). إذا اقترض شخص ما مبلغًا معينًا من المال مني ووعدني بسداده بعد أسبوع، ثم تحدثت معه بشأن ذلك أو أصررت على أن يفي بوعده، فإنني في هذه الحالة أصبح «الشرير»، على الرغم من أن الخطأ أو الإهمال لم ينبع مني. وفي هذه الحالة، قد يحدث أيضًا أن أعامل بوقاحة من قبل الشخص الآخر. - لماذا يخشى العرب أو الناس في المجتمعات الجماعية تحمل مسؤولية أخطائهم؟
- لماذا لا يستطيع الناس في المجتمعات الجماعية تحمل النقد، ولماذا يثير النقد مثل هذا الغضب والعنف؟
يميل الناس في المجتمعات العربية والمجتمعات الجماعية إلى الإيمان بقوى أو مصادر قوة غير بشرية، لها تأثير عميق على حياتهم، وسلوكهم وإنتاجيتهم وعلاقاتهم، مثل القدر، والقوى الإلهية المختلفة التي تتسم بالخير، أو على العكس من ذلك القوى الشريرة مثل الشيطان، ووسواس الشيطان، وما إلى ذلك. - هل هناك أسباب نفسية أو لاواعية تجعل الناس بحاجة إلى هذه القوى في حياتهم، وما هي التجارب التي نمر بها في مرحلة الطفولة والتي تجعل هذه القوى مهمة أو ذات دلالة نفسية في حياتنا؟
- يميل الناس في المجتمعات العربية إلى المبالغة في تقدير أهميتهم الذاتية، بينما يشعرون في الوقت نفسه بالنقص والحسد تجاه الآخرين. ما هي التجارب التي نمر بها في طفولتنا والتي تثير هذا التناقض في داخلنا؟
- العنف منتشر على نطاق واسع في المجتمعات العربية والجماعية. في هذه المجتمعات، يهيمن الأقوياء على الضعفاء، وذلك منذ الطفولة. يسود القمع الجنسي، الذي يتسبب في العديد من الاضطرابات الجنسية ويرتبط أيضًا بالغيرة الشديدة المنتشرة على نطاق واسع في المجتمع. هناك حاجة إلى العنصرية وإهانة بعض الأشخاص، في حين يتم رفع مكانة آخرين بشكل غير واقعي. كيف يتطور هذا التناقض وكيف يتجلى في سلوكنا وشخصيتنا؟
العلاج النفسي والتحليل النفسي، الإشراف، الندوات، التعليم المستمر حول الأشخاص والشخصية في الثقافات الجماعية